كتب عزة عامر
2017-01-24 23:06:26

رن هَاتفها الخلوي بأزيزٍ متقطع فقد جعلته مسبقا في وضع الاهتزاز، كانت تَعُد الطعام بينما كان صغيريها يلهوان بصوتٍ خافتًا بعد أن عنّفهما والدهما بشكلٍ قاسٍ، ثم قام بالاستلقاء جوارهما منتظرًا الطعَام!

رفعت هاتفها إليها لتلقي نظرة على رقم المتصل الذي يظهر أمامها، فاختلج قلبها رغمًا عنها، ورغم دقة الموقف وغرابته، ظهرت ابتسَامة عريضة احتلَّت قسَمَاتها كَاملةً وقد تخضّبت وجنتيها بلونٍ أحمرٍ زاهٍ!

نظرت لهاتفها تتابع صوت الأزيز ويكأنها تنتظر ماذا سيحدث، توقف الهاتف عن الأزيز فاقتربت من باب مطبخها تنظر خلسة صوب ذلك الجسد المُسجى على الأريكة والمُلقب بزوجها فتأكدت من أنه يغط بنومٍ عميق كعادته .. فجأة عاد الهاتف يطلق أزيزه من جديد فانتفض قلبها ثانيةً !!

 

ألو.. نعم أنا هي... حقا؟ رائع.. سوف آتي في الصباح بعد أن ينصرف إلى عمله، أغلقت الهاتف وعادت تستأنف عملها في إعداد الطعام، ويغمرها شعور بالانتصار، وضعت الطعام على المنضدة المخصصة له، وذهبت لتوقظه.

خالد .. الطعام على السفرة هيا لتأكل.. خالد..خالد

أوووووووووف ألم أقل لكِ من قبل لا توقظيني مطلقا..

عزيزي قلت لي أنك جائع..

وقلت أيضا لا توقظيني مهما كان السبب..

حسناً اهدأ فقد أخطأت ولن أكررها.

أغرُبي عن وجهي الآن لا أريد أن أراكِ..

خالد أرجوك اهدأ لم يحدث شيء..

قلت لك اغربي عن وجهي، ثم دفعها بقوة فاصطدم جسدها بالجدار فسقطت أرضا. نظر إليها باحتقار، وانصرف إلى خارج الشقة.

كان الصغار يسترقون النظر من خلف باب حجرتهم في رعب، حتى تأكدوا من ذهابه فهرعوا إلى أمهم التي جلست غارقة في دموعها لتضمهم إليها بقوة حتى تتناسى شعورها بالانكسار، الذي لم يكن جديدا عليها.

جاء اليوم الذي طالما انتظرته وهي تعُد الساعات بل الثواني لأجله.. نفس الطريق المتعرج، والأزقة الخالية، تسلكها مرة أخرى، لكنها تلك المرة لم تكن خائفة كما في الأولى، على الرغم من أنها بمفردها الآن.

وصلت أخيرا، وطرقت الباب النصف مفتوح ودخلت بعد أن سمح لها صاحب الشقة بالدخول. دخلت مليئة بالسعادة والأمل ، وخرجت محطمة، ذليلة، منكسرة أكثر من أي وقت سبق، كانت تنظر إلى طريقها في شرود، تجر قدميها جرا، تُحكم قبضة يدها بقوة على تلك الزجاجة الصغيرة. وما إن وصلت إلى بيتها حتى تخلت عنها قدميها فسقطت أرضا، زحفت حتى وصلت إلى الحمام فدخلت لتغتسل، الدموع متحجرة في عينيها تأبى أن تخرج، تأبى أن تُريحها، انتهت من غُسلها وخرجت تعد طعام الغداء، عاد الصغار من الروضة وعاد خالد أيضا، كانت تنتظره بشغف لتنتهي من تلك المهمة التي باتت ثقيلة على عتقها.. اعتاد أن يشرب عصير طازج قبل الغداء، سكبت مُحتوى الزجاجة في الكوب ثم أضافت إليه العصير، واتجهت إليه وركبتاها ويداها تتسابقان في الارتعاش، تناول العصير دون أن ينظر إليها كعادته، كانت تنظر إليه في خوف، حتى انتهى من شرابه كاملاً فهدأ روعها، بعدما كادت تموت خشية من أن يُفضح أمرها، ويشعر باختلاف في طعم العصير.

كانت تدقق النظر إلى زوجها بشدة، ويكأنها تنتظر منه قولا أو فعلا ما، حتى لاحظ هذا ونظر إليها متعجبا قبل أن يتجه إلى غرفته لينام.

شعرت بأزيز هاتفها أثناء جليها للصحون، فانتفضت حين رأت رقمه على الشاشة مرة أخرى، فهي لا ترغب في سماع صوته من جديد، تريد أن تنسى كل ما حدث لتبدأ حياة جديدة وسعيدة، ظلت تنظر إلى الشاشة في خوف وكره وشرود حتى انتهى الرنين، وعاد مرة أخرى فقررت أن ترد.. ماذا تُريد؟ رد الآخر بصوت رخيم.. مرحبا حُلوتي.. لا أريد شيء فقط اشتقت إليكِ.

أيها الحقير لا تُعيد الاتصال بي مرة أخرى.

فضحك بسخرية قائلا: اهدئي حبيبتي أود أن أطمئن لأمر زوجك؛ هل سقيتهِ السحر الذي أعطيته لكِ؟

ردت بنفاذ صبر: نعم ، فضحك من جديد وتعالى ضحكه، متابعا وهل تغير شيء في معاملته لك؟

صمتت لتفكر، ثم قالت: لا لم يمر وقت طويل فقد شربه ثم تناول غدائه ونام. فقال: عزيزتي لا تنتظري أن يتغير زوجك ويصبح حنونا ومحبا لك.. فما أعطيته لك ليس سحراً وإنما هو ماء مُحلى فحسب.. ثم ضحك أكثر.. وصُعقت هي مما سمعت، فتابع.. صورت ما تم بيني وبينك في بيتي، ولو لم تأتيني غدا؛ سأذهب إلى زوجك وأهدي له شريط مسجل عليه ما صورت.. ما أجملك وأنت عارية بين أحضاني، سأنتظرك بصبر فارغ حبيبتي..

صرخت فيه باكية: أيها الوقح.. أنت من أجبرتني... أنت من قلت لي لن يصلح السحر سوى بتلك الطريقة.. أغلق الهاتف وهو يضحك.